مجمع البحوث الاسلامية

186

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وإنّما أراد تعالى التّرغيب في الطّاعة بتضمّن التّفضّل مع الثّواب ، فأمّا المعصية فممّا لا يجوز أن يفعل في عقابها أكثر من المستحقّ ، لا عقابا ولا تفضّلا ، لأنّ الابتداء بذلك ظلم ، تعالى اللّه عنه . فزجر عنه تعالى بالقدر الّذي يصحّ الزّجر به ، لأنّ الزّيادة فيه قبيحة ، فلا يجوز أن يتوعّد تعالى بها ، ولذلك قال عقيبه : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ مبيّنا بذلك أنّه لا يفعل إلّا القدر المستحقّ . ولو كان الأمر كما قالوا ، فالواجب - لو فعل أضعاف ذلك - أن لا يكون ذلك ظلما ، فكان لا يكون لهذا القول معنى . وربّما سألت المرجئة عن هذه المسألة فقالت : إنّه تعالى بيّن أنّ الّذي يستحقّ على الطّاعة أكثر ممّا يستحقّ على المعصية ، فيجب في الجامع بين الأمرين أن تكون طاعته أغلب وباستحقاق الجنّة أولى ، وهذا يوجب في مرتكبي الكبائر من أهل الصّلاة أنّهم من أهل الجنّة ؟ والجواب عن ذلك : أنّ ظاهره إنّما يوجب إزالة هذين القدرين في الطّاعة والمعصية ، ولا يدلّ على أنّ جميع ما تضمّنه على الطّاعة مستحقّ ، فمن أين أنّ الثّواب للطّائع إذا ارتكب كبيرة أكثر من عقابه ؟ ! وقد بيّنّا أنّ الآية لا تدلّ على المقدار ، فلا يصحّ تعلّقهم بهذا من هذا الوجه أيضا . على أنّ هذا القول يوجب أن يقطعوا بأنّ الجامع بين الأمرين إذا كان عدد طاعاته أكثر ، أن يكون من أهل الجنّة ، وليس ذلك قولهم ، لأنّهم يجوّزون أن يخلّد في النّار ، وأن يعفى عنه بأن لا يدخلها ، أو بأن يخرج عنها ، ويوجب أن يقطعوا بمثله فيمن كثرت طاعاته ووقعت منه في آخر عمره معصية وكفر . ويوجب عليهم القول : بأنّ من كثرت معاصيه وزادت على طاعاته ، وهو من أهل الصّلاة ، أن يكون من أهل النّار قطعا ، وكلّ ذلك بخلاف مذهبهم . ( 1 : 270 ) الماورديّ : في الحسنة والسّيّئة هنا قولان : أحدهما : أنّ الحسنة : الإيمان ، والسّيّئة : الكفر ، قاله أبو صالح . والثّاني : أنّه على العموم في الحسنات والسّيّئات أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضّلا ، وجعل جزاء السّيّئة مثلها عدلا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبعد اللّه من غلبت واحدته عشرا » . ثمّ في ذلك قولان : أحدهما : أنّه عامّ في جميع النّاس . والثّاني : [ قول أبي سعيد الخدريّ ] فأمّا مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها ، فلأنّ اللّه فرض عشر أموالهم ، وكانوا يصومون في كلّ شهر ثلاثة أيّام وهي البيض منه ، فكان آخر العشر من المال آخر جميع المال ، وآخر الثّلاثة الأيّام آخر جميع الشّهر . وأمّا مضاعفة ذلك بسبعمئة ضعف ، فلقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ البقرة : 261 ، فضاعف اللّه الحسنة بسبعمئة ضعف ، وكان الحسن البصريّ يقرأ ( فله عشر أمثالها ) بالتّنوين ، ووجهه في العربيّة صحيح . [ وذكر كلام أبي مسلم الأصفهانيّ ثمّ قال : ] وهذا تأويل فاسد ، لخروجه عن عموم الظّاهر ، لما لا يحتمله تخصيص العموم ، لأنّ ما جمع عشرة أنواع فهو